عبد الله بن أحمد النسفي
58
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان ، ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر ، ولقد كثر ذلك في الكتب السماوية ، ومن سور الإنجيل سورة الأمثال . والمثل في أصل كلامهم هو المثل وهو النّظير ، يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه « 1 » ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ، ولم يضربوا مثلا إلّا قولا فيه غرابة ولذا حوفظ عليه ، فلا يغير « 2 » ، وقد استعير المثل للحال أو الصّفة أو القصّة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنّه قيل حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا ، وكذلك قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ * « 3 » أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصّة الجنة العجيبة الشأن ، ثم أخذ في بيان عجائبها وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى « 4 » أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ، ووضع الذي موضع الذين كقوله : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا « 5 » فلا يكون تمثيل الجماعة بالواحد ، أو قصد جنس المستوقدين ، أو أريد الفوج الذي استوقد « 6 » على أنّ ذوات المنافقين لم يشبّهوا بذات « 7 » المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنّما شبّهت قصتهم بقصة المستوقد ، ومعنى استوقد أوقد ، ووقود النار سطوعها . والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق ، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ الإضاءة فرط الإنارة ، ومصداقه قوله تعالى « 8 » هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً « 9 » وهي في الآية متعدية « 10 » مسندة إلى ما حوله ، والتأنيث للحمل على المعنى ، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء . وجواب فلما ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وهو ظرف زمان ، والعامل فيه جوابه مثل إذا ، وما موصولة ، وحوله نصب على الظرف ، أو نكرة موصوفة ، والتقدير فلما أضاءت شيئا ثابتا حوله ، وجمع الضمير وتوحيده للحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ، والنّور ضوء النار ، وضوء كلّ نيّر ، ومعنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا ، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به . والمعنى أخذ اللّه بنورهم ، وأمسكه وما يمسك فلا مرسل له ، فكان أبلغ من الإذهاب ، ولم يقل ذهب اللّه بضوئهم لقوله فلما أضاءت ، لأن ذكر النور أبلغ ، لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، والمراد إزالة النور عنهم رأسا ، ولو قيل ذهب اللّه
--> ( 1 ) ليس في ( ظ ) وشبيه . ( 2 ) في ( ظ ) يغيروا . ( 3 ) الرعد ، 13 / 35 . محمد ، 47 / 15 . ( 4 ) النحل ، 16 / 60 . ( 5 ) التوبة ، 9 / 69 . ( 6 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) نارا . ( 7 ) في ( أ ) بذوات . ( 8 ) ليست في ( ظ ) و ( ز ) . ( 9 ) يونس ، 10 / 5 . ( 10 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) ويحتمل أن تكون غير متعدية .